كتاب الحج

كِتَابُ الحَجِّ

هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الْأَظْهَرِ. وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الْإِسْلَامُ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالمَجْنُونِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ المُسْلِمِ المُمَيِّزِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِالمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَهُ المُكَلَّفُ الحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَمْ تُشْتَرَطْ نَفَقَةُ الْإِيَابِ، فَلَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ لَمْ يُكَلَّفِ الحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ. الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ. وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى المَشْيِ يَلْزَمُهُ الحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ فَكَالْبَعِيدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ. وَالْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتِهِ إِلَيْهِمَا. الثَّالِثُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ، فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ لَمْ يَجِبِ الحَجُّ. وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ. وَيُشْتَرَطُ: وُجُودُ المَاءِ وَالزَّادِ فِي المَوَاضِعِ المُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ. وَفِي المَرْأَةِ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسْوَةٌ ثِقَاتٌ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لِإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ المَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا. الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَعَلَى الْأَعْمَى الحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالمَحْرَمِ فِي حَقِّ المَرْأَةِ. وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يُدْفَعُ المَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ. النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَالمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الحَاجَاتِ المَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ فِي الْأَصَحِّ.

بَابُ المَوَاقِيتِ

وَقْتُ إِحْرَامِ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ. وَالْمِيقَاتُ المَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ: فَمِيقَاتُ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ: ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالمَغْرِبِ: الجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ: قَرْنٌ، وَمِنَ المَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ. وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ، أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا فَلَا. وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمِيقَاتِ. قُلْتُ: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ: مِيقَاتُ الحَجِّ. وَمَنْ بِالحَرَمِ: يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَتْهُ فِي الْأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى المَذْهَبِ. وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ: الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ.

بَابُ الْإِحْرَامِ

يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْإِطْلَاقُ. فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَالْأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ عُمْرَةً، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ عَدَمَ إِحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ.

فَصْلٌ

المُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ، فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ، وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ المُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَأَنْ تُخَضِّبَ المَرْأَةُ لِلْإِحْرَامِ يَدَيْهَا وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لِإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ: يَحْرُمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِهِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ. وَفِي الْقَدِيمِ: تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ. وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ). وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ: (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ). وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ

الْأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ بِذِي طَوًى، وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ). ثُمَّ يَدْخُلُ المَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَيَبْتَدِأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ. وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، إِلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.

فَصْلٌ

لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَطَهَارَةُ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئًا بِالحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الْأُخْرَى لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ المَسِّ وَجْهٌ. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ المَسْجِدِ. وَأَمَّا السُّنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا. وَيَسْتَلِمَ الحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَيُقَبِّلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ اسْتَلَمَ، فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِيَدِهِ، وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلَهُ، وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: (بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالْأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ)، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ. وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلَى بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا). وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ. وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى. وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ، وَأَنْ وَيُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَفِي الثَّانِيَةِ: (الْإِخْلَاصَ)، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ المُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ. وَلَوْ حَمَلَ الحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.

فَصْلٌ

يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْيِ. وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا، ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّةً، وَعَوْدُهُ مِنْهَا إِلَيْهِ أُخْرَى، وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، فَإِذَا رَقِيَ قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ المَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَطِ، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ.

فَصْلٌ

يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنًى، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ المَنَاسِكِ، وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنْ غَدٍ إِلَى مِنًى وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا عَرَفَاتٍ. قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، وَيَقِفُوا بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا المَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا. وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ. وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ. وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا أَجْزَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُونَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوَاتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ. وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنًى، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنًى وَيَأْخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ، فَإِذَا بَلَغُوا المَشْعَرَ الحَرَامَ وَقَفُوا وَدَعَوْا إِلَى الْإِسْفَارِ، ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَالحَلْقُ أَفْضَلُ، وَتُقَصِّرُ المَرْأَةُ. وَالحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى المَشْهُورِ. وَأَقَلُّهُ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا، وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ المُوسَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ وَسَعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنًى. وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ. وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا. وَإِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الرَّمْيِ وَالحَلْقِ وَالطَّوَافِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالحَلْقُ وَالْقَلْمُ، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بِهِ بَاقِي المُحَرَّمَاتِ.

فَصْلٌ

إِذَا عَادَ إِلَى مِنًى بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشْرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ. فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْفُرْ حَتَّى غَرَبَتْ وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ. وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا، وَقِيلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ. وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتَرْتِيبُ الجَمَرَاتِ، وَكَوْنُ المَرْمِيِّ حَجَرًا، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا، فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ. وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الخَذْفِ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الحَجَرِ فِي المَرْمَى، وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الجَمْرَةِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ اسْتَنَابَ. وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلَا دَمَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالمَذْهَبُ: تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ. وَإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ: سُنَّةٌ لَا يُجْبَرُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ فَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلَا وَدَاعٍ. وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الحَجِّ.

فَصْلٌ

أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالحَلْقُ إِذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، وَلَا تُجْبَرُ بِدَمٍ، وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا. وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الْإِفْرَادُ بِأَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ المَكِّيِّ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا. الثَّانِي: الْقِرَانُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الحَجِّ فَيَحْصُلَانِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ بِحَجٍّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِنًا، وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الجَدِيدِ. الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ. وَأَفْضَلُهَا: الْإِفْرَادُ، وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، وَبَعْدَ التَّمَتُّعِ الْقِرَآنُ، وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ. وَعَلَى المُتَمَتِّعِ دَمٌ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَحَاضِرُوهُ: مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مِنَ الحَرَمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ. وَأَلَّا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ: إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ. وَالْأَفْضَلُ: ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الحَجِّ تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الحَجِّ فالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ

أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوِ المَنْسُوجِ أَوِ المَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَوَجْهُ المَرْأَةِ كَرَأْسِهِ، وَلَهَا لُبْسُ المَخِيطِ إِلَّا الْقُفَّازَ فِي الْأَظْهَرِ. الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ، وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخِطْمِيٍّ. الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفُرِ، وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّيْنِ، وَلِلْمَعْذُورِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ. الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَتَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. الخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ. قُلْتُ: وَكَذَا المُتَوَلِّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الحَرَمِ عَلَى الحَلَالِ. فَإِنْ أَتْلَفَ صَيْدًا ضَمِنَهُ. فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالْغَزَالِ عَنْزٌ، وَالْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَالْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلَانِ، وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ. وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الحَرَمِ الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ، وَالْأَظْهَرُ: تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ وَبِقَطْعِ أَشْجَارِهِ، فَفِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ. قُلْتُ: وَالمُسْتَنْبَتُ كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، وَيَحِلُّ الْإِذْخِرُ، وَكَذَا الشَّوْكُ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وَالْأَصَحُّ: حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ وَلِلدَّوَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَيْدُ المَدِينَةِ حَرَامٌ، وَلَا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ. وَيَتَخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا لَهُمْ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ. وَيَتَخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ المَأْمُورِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ دَمُ تَرْتِيبٍ، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَيَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ. وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةُ، وَالحَاجِّ مِنًى وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنْ هَدْيٍ مَكَانًا، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.

بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ

مَنْ أُحْصِرَ تَحَلَّلَ، وَقِيلَ: لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ. وَلَا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، فَإِنْ شَرَطَهُ تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى المَشْهُورِ. وَمَنْ تَحَلَّلَ ذَبَحَ شَاةً حَيْثُ أُحْصِرَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ وَنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَكَذَا الحَلْقُ إِنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، فَإِنْ فُقِدَ الدَّمُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَأَنَّهُ طَعَامٌ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَلَهُ التَّحَلُّلُ فِي الحَالِ فِي الْأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِلَا إِذْنٍ فَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ. وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَكَذَا مِنَ الْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا قَضَاءَ عَلَى المُحْصَرِ المُتَطَوِّعِ، فَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ فَرْضًا مُسْتَقِرًّا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ اعْتُبِرَتِ الِاسْتِطَاعَةُ بَعْدُ. وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ، وَفِيهِمَا قَوْلٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَالْقَضَاءُ.