شيخنا عبد العزيز الشهاوي الشافعي الفقيه المجدد للشيخ الأزهري

مقالي: عبد العزيز الشهاويّ .. الفقيه المجدد

لا أكون مبالغاً حين أخبرك أنّ مولانا الشيخ عبد العزيز الشهاوي مضطجع منذ نشأته على أعراف المجد!

في مصر بيوت كثيرة تفتح للعلم، وفيها بيوت أخرى حافلة بالعلم والكرم معاً، وبيت السادة الشهاوية بقرية نمرة البصل بالمحلة الكبرى من بيوتات العلم التي تجمع بين شرف النسب وسموّ العلوم، تسلسل نسبهم الشريف ونسبهم العلميّ الأصيل، فأخذوا العلم كابراً عن كابر، ومن أعيانهم شيخنا شيخ الشافعية بمصر وبقيتهم الشريف عبد العزيز الشهاوي الحسيني، فكان بيته ملاذاً لطلبة العلم وكلّ قاصد أو محتاج.

إنّ بيته بيتٌ مبارك حافلٌ بالعلم تؤمه الوفود، ويسعى إليه الراغبون، ويميل إليه القاصدون!

هذا الاحتفاء بالوافدين عليه هو في أصله سنة شهاوية لم تزل ملازمة لهم منذ عرفتهم وتنقلت بين بيوتاتهم، ليس شيئاً وافداً على أخلاقهم، أو جديداً في معاملاتهم، فكان شيخ مشايخنا السيد الفقيه أستاذ الكلّ عبد الحميد الشهاوي -كما حدثني كبار عارفيه- يقدم الطعام في بيته بعد صلاة الجمعة لكلّ من يفد من الطلاب والفقراء والمساكين، ويحبّ التوسعة على أهل القرآن والعلم إكراماً لهم، فيعطي من ماله الخاص لمن يقوم بتحفيظ القرآن للطلاب في معهده.

وحدثني أستاذنا عبد الرحمن بن إبراهيم الشافعي (ت1442) أن بيت السيد عبد الحميد الشهاوي كان يعرف بــــــ “معهد السيد عبد الحميد الشهاوي”، يقصده القاصي والداني، كانت فيه حجرات للعلم تعرف بـــــــــ “حجرات المجاورين” يبذل فيها العلم للوافدين، والطعام للفقراء والمساكين.

وإذا كان هذا الأمر قبل انتشار خبر تدريسه العلوم خارج قريته ما بين سنة 2000 وسنة 2008 تقريباً، والذاكرة خؤون، فما الحال بعد ما صار الشيخ محلّ أنظار العلماء والطلبة، فرحل إليه القاصي والداني، ورغب في القرب منه الحاج والداج.

تذكرتُ هذا البيت الكريم حينما رأيتُ إعلاناً عن صدور ترجمة مختصرة لشيخنا ستكون متوفرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بعنوان: “بغية الثاوي في ترجمة سيدي عبد العزيز الشهاوي” للأستاذ محمد السيد السعدني، فاجتمعت في هذه الترجمة عدة مميزات من خلال الاطلاع على غلاف الكتاب، ليس إلّا:

أولها: أنها ترجمة لفقيه من آخر بقايا السادة الشافعية بمصر، أمة واحدة في قوة بذله وسمو علمه، بارعٌ في تعليم المتعلم ما ينفعه، سريعٌ إلى اقتناص الفوائد، صاحبُ فؤادٍ ذكي، وخلق رضيّ، وحسب موروث، وبيت مقصود، فقيهٌ ذو رأي وخاطرٍ سريع، اجتماعيّ صاحب رسالة، سيد من سادات آل البيت في غير كبر، ومتواضع دون ذل، بارز في سمته، ومتميز في تعامله، عفيف اللسان، هادئ الطبع، جميل الطلعة، حلو المحيا، خَلُوص القلب، عالي الهمة، صفوح متسامح، صادق العاطفة، ثاقب النظر، صحيح الاستدلال، قويّ التوجيه، بارع الاستنتاج.

ولعلّ أهم ما انفرد به شيخنا أنه مجدد الفقه الشافعي بمصر في الوقت الحاضر كما كان على الأمر الأول، فأحيا الله به قراءة كتب المذهب، وهو محافظ على الدرس الفقهي التقليديّ، ومتفرد بالسند الشافعي المصري، ومتمرس دقيق في شرح حواشي المتأخرين.

يتصل لسانه بعقله، ويهدف في درسه إلى تصوير المسألة الفقهية من أقرب طريق، وتسري في طبعه الرقة والانسجام التام، لا يميل إلى الجدال، ولا يؤاخذ مسيئاً بنقيصته!

ثانيها: قدّم للكتاب فضيلة المفتي الفقيه د. أحمد ممدوح سعد، من أعيان دار الإفتاء المصرية، وفي الحقيقة هذا الرجل قد يخفى على كثيرين نبوغه العلمي، ودقة فهمه، وسرعة إدراكه، وقد يظهر في مقام إفتاء العوام بنوع من التبسط، فيخيل لمن لا معرفة له بأسرار الرجال أنه رجل عاديّ، على أن مقام إفتاء العوام يتطلب شيئاً من ذلك، وأشهد الله أني ما دخلت بيتاً من بيوتات العلم بمصر إلا وجدت قدم هذا الرجل قد سبقتني إليه، تلقى الفقه الشافعي عن غير واحد من الأعيان في مصر وغيرها، وله اتصال بعلماء الحجاز، ومعرفة تامة بمدارس العلم والفقه الشافعي على وجه الخصوص خارج مصر، كما أن موقعه الوظيفيّ مكنه من حضور المؤتمرات الدولية والتعرف على أعلام الإفتاء والفقه عن قرب، وهو ممن قرأ واستفاد من شيخنا شيخ الشافعية بمكة السيد أحمد بن عبد العزيز الرقيمي،، وأثنى شيخنا عليه كثيراً، وكان أولاده يذكرونه لي بكلّ خير، ويعدّ من خيرة مَن يُقرأ عليه كتب السنة المشرفة بمصر، حيث تلقاها بالسماع والرواية عن أربابها، وتحمل مشقة السفر في سبيل ذلك، وقد رأيته في مكة والمدينة يحمل كتبه متنقلاً بين بيوتات العلم للسماع وأخذ الرواية، وتقديمه لهذا العمل الجاد يجعل الكتاب محلّ ثقة من الجميع.

ولولا معرفتي أنه يكره الحديث عنه لذكرت من أخباره الشيء الكثير، وفيما ذكرته كفاية لكل طالب محب للعلم ليلزم أمثاله، فيكفيه في كثير من العلوم، وكم تمنيت أن يقوم بإسماع شيء من دواوين السنة في القاهرة المعمورة.

ثالثها: طبع الكتاب في دار معتنية بالعلم والسلوك والتصوف معاً “دار الإحسان”، وتدور عناوين مطبوعاتهم على ذلك، ولعلهم أخذوا من اسمهم “الإحسان” أوفر نصيب، فأحسنوا إلى طلبة الشيخ بإخراج هذه الترجمة، وصاحبها رجل من أهل العلم جمع بين العلم والتصوف ومعروف في الأوساط العلمية، لم أحظ بمعرفته عن قربٍ، لكن اختيار عناوين مطبوعاته وتحقيقاته تدلّ على وفرة عقله، وانشغاله بالعلوم، والشيء بالشيء يستدلّ به.

رابعها: مؤلف الكتاب من ملازمي مولانا الشيخ، ويكفي في بيان فضله أنه تلميذ بار بشيخه، عرفتُ من بعض عارفيه أنه يصاحبه في حله وترحاله، ويقوم على خدمته، وقد قام بواجب الكفاية عنّا في التعريف بالشيخ وجهوده العلمية، وبالغ في ذلك حين ترجم لأعيان السادة الشهاوية، وحقّ لكل مصريّ أن يفتخر بهم، فقد جمعوا بين العلم والصلاح.

إنّ شيخنا الشهاوي جمع الله فيه من الخصائل التي لا تكاد توجد عند غيره من أبناء زمانه، سليل بيت النبوة، ذو نسب علميّ أصيل، ربيب مدرسة علمية متكاملة الأركان، حسن العقل، قويّ الفهم، واضح البيان، وافر العلم، قويّ البذل، وتحقيق هذه الصفات في رجل واحدٍ عسير، لكن من اقترب منه عرف أنها اجتمعت فيه.

تلك إشارات سريعة كتبتها بمناسبة صدور هذه الترجمة، وإن كنت أعتقد أني لم أقل ما يجب أن يقال في ذلك، لكن حسبي أني كتبتُ ما أستطيعه.

بارك الله في علم شيخنا، وأطال الله بقاءه، وأدام نفعه، وبارك في طلابه ومحبيه!

اترك رد